Contact us
Open notifications

إشعارات

  • لا يوجد إشعارات جديدة

     

]

التحليل الاقتصادي

التحليل الاقتصادي

28.07.2026

 

تعرَّض الاقتصاد البحريني لضغوطٍ كبيرة خلال عام 2026 نتيجة الصراع الإقليمي وإغلاق مضيق هرمز، ممَّا أدَّى لتعطُّل إنتاج الطاقة وتدفقات التجارة والنشاط الاقتصادي خلال الأشهر الخمس الماضية. وفي حين قد توفِّر أسعار النفط المرتفعة دعماً جزئياً للإيرادات، فإنَّ الانخفاض الحاد في إنتاج الهيدروكربونات وضعف النشاط غير النفطي من المرجَّح أن يؤدِّيا لاتساع عجز المالية العامة وارتفاع الدين العام لمستوياتٍ أعلى. كما أنَّ محدودية الحيِّز المالي يقيِّد قدرة الحكومة على تقديم حوافز اقتصادية واسعة النطاق، ممَّا يدفع السلطات للاعتماد بصورة رئيسية على دعم السيولة وإجراءات الإغاثة المالية المُوجَّهة. وفي الوقت نفسه، يُتوقَّع أن يؤدي الصراع لإبطاء وتيرة ضبط أوضاع المالية العامة وتأجيل تنفيذ أجزاء من حزمة الإصلاحات التي أُعلنت في ديسمبر 2025. ورغم هذه التحديات، يُرجَّح أن تواصل البحرين الاستفادة من الدعم المالي الخليجي، ولا سيما من المملكة العربية السعودية، مع الحفاظ على تركيزها طويل الأجل على تنويع الاقتصاد في إطار رؤية البحرين 2030 وخطة التعافي الاقتصادي.

الاقتصاد يواجه تباطؤاً حاداً في ظل الصراع الإقليمي

من المتوقَّع أن يتأثر الاقتصاد بكامل تأثيرات الصراع الإقليمي خلال عام 2026، إذ يُرجَّح أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 12% وفقاً للسيناريو البديل الذي نتوقعه في ظل استمرار التوترات الإقليمية. ويعود هذا التراجع بصورة رئيسية للانخفاض الحاد في إنتاج النفط عقب إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب ضعف النشاط الاستثماري وانخفاض أحجام الصادرات وازدياد حالة عدم اليقين الإقليمية. ومن المتوقَّع أن يتحمَّل القطاع النفطي النصيب الأكبر من الصدمة، إذ يُرجَّح أن ينكمش النشاط المرتبط بالنفط بنحو 56% على أساس سنوي في عام 2026 نتيجة إغلاق بعض الحقول بسبب الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز (الرسم البياني 1). أمَّا القطاع غير النفطي، فمن المرجَّح أن يكون أداؤه أفضل نسبياً، إلا أنه سيشهد أيضاً انكماشاً يُقدَّر بنحو 4% على أساس سنوي، متأثراً بضعف السياحة والتصنيع والخدمات اللوجستية والتجارة والنشاط المالي. وفي الوقت ذاته، يُتوقَّع أن تؤدي أسعار الطاقة العالمية المرتفعة إلى توليد ضغوط تضخمية جديدة. ومن المنتظر أن يرتفع متوسط التضخم السنوي إلى 1.7% في عام 2026 مقارنة بمعدل انكماشٍ طفيف للأسعار بلغ 0.1% في عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الوقود والسلع المستوردة.

 

 الرسم البياني 1: نمو الناتج المحلي الإجمالي
(% على أساس سنوي )
المصدر: وزارة المالية والاقتصاد الوطني، توقعات بنك الكويت الوطني
 
 الرسم البياني 2: وضع المالية العامة
 
المصدر: وزارة المالية والاقتصاد الوطني، توقعات بنك الكويت الوطني

 

الضغوط المالية تتفاقم رغم ارتفاع أسعار النفط

من المتوقَّع أن يتأثر وضع المالية العامة بشكل ملحوظ بالصراع الدائر في المنطقة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط لن يحقق فائدة كبيرة نظراً لتعطُّل قدرة البحرين على تصدير النفط، وهو ما يُبرز استمرار تعرض الاقتصاد البحريني للصدمات الخارجية وتقلبات أسواق النفط. وبناءً على ذلك، نتوقَّع حالياً اتساع عجز المالية العامة إلى 15.5% من الناتج في عام 2026، مقارنةً بتقدير ما قبل الصراع البالغ 8.5%، وتقديرٍ بنحو 7.7% لعام 2025 (الرسم البياني 2). كما يُرجَّح أن تبقى العجوزات المالية مرتفعة خلال عام 2027 رغم تراجعها إلى 9.8% من الناتج، ما يعكس استمرار الضغوط على كلٍّ من الإيرادات الهيدروكربونية وغير الهيدروكربونية. ويُعزى هذا التراجع في المالية العامة أساساً لتعطُّل صادرات النفط والمنتجات النفطية المكرَّرة، اللتين تمثلان معاً نحو 63% من الإيرادات الحكومية. وقد أدَّت المخاطر الأمنية المستمرة وإغلاق مضيق هرمز إلى إيقافٍ مؤقت لإنتاج بعض الحقول وانخفاض أحجام الإنتاج. ونتيجة لذلك، يُتوقَّع حالياً أن ينخفض إنتاج النفط الخام بنسبة 56% على أساس سنوي في عام 2026، مقارنةً بتوقعات ما قبل الصراع التي كانت تشير إلى نمو يقارب 10%. وفي المقابل، قد تُسهم أسعار النفط المرتفعة، إذ يُتوقَّع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 90 دولاراً للبرميل في عام 2026 مقارنةً بفرضيتنا السابقة البالغة 65 دولاراً للبرميل، في تعويض جزءٍ من خسائر الإيرادات الناتجة عن انخفاض الإنتاج والصادرات (الرسم البياني 3).

 

 الرسم البياني 3: إنتاج النفط الخام
 
المصدر: Haver، تقديرات بنك الكويت الوطني
 
 الرسم البياني 4: مسار الدين العام
 (نقطة مئوية)
المصدر: وزارة المالية والاقتصاد الوطني، Haver، تقديرات بنك الكويت الوطني

 

الإيرادات غير النفطية تتعرض لضغوط

من المرجَّح أن تكون الإيرادات الحكومية غير النفطية قد تراجعت بصورة ملموسة نتيجة تأثير الصراع على أنشطة السياحة والطيران والتجارة والخدمات المالية. ويُتوقَّع أن تنخفض الإيرادات غير الهيدروكربونية بنسبة 36% على أساس سنوي في عام 2026، في تحول حاد لتوقعات ما قبل الصراع التي كانت تشير لنمو نسبته 28%. كما واجه قطاع الألمنيوم، الذي يمثل نحو 40% من صادرات البحرين غير النفطية، تحديات كبيرة نتيجة إغلاق ثلاثة خطوط صهر تمثل 19% من الطاقة الإنتاجية لشركة ألمنيوم البحرين (ألبا). وقد فرضت هذه الضغوط ضرورة تشديد الانضباط المالي الحكومي، الأمر الذي يتطلب تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الانضباط المالي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وفي الواقع، قامت السلطات بالفعل بتأجيل أجزاء من حزمة الإصلاح المالي المعلنة في ديسمبر 2025، ولا سيما الزيادات الشهرية المخطط لها في أسعار الوقود والتي كانت تهدف لخفض الإنفاق على الدعم الحكومي. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً جعل من الصعب المضي قدماً في إصلاحات إضافية للدعم على المدى القريب.

محدودية الحيِّز المالي تُقيِّد إجراءات الدعم الحكومي

دخلت الحكومة فترة الصراع في ظل حيز محدود من المرونة المالية، الأمر الذي قيَّد قدرتها على إطلاق حزم تحفيز مالي واسعة النطاق لدعم النشاط الاقتصادي. فقد بلغ الدين العام نحو 128% من الناتج في عام 2025، وهو أعلى مستوى بين دول مجلس التعاون الخليجي ومن بين الأعلى عالمياً، بينما بقيت احتياطيات النقد الأجنبي عند مستويات منخفضة نسبياً بلغت 5 مليار دولار حتى أبريل 2026 (الرسم البياني 4). وفي ظل هذه الظروف، يُتوقَّع أن تتجنب السلطات أي توسع كبير في الإنفاق المالي، مع إبطاء تنفيذ بعض إجراءات ضبط المالية العامة المخطط لها. وبدلاً من ذلك، من المرجَّح أن يعتمد صانعو السياسات بدرجة أكبر على أدوات الدعم غير المالي للتخفيف من التداعيات الاقتصادية والحفاظ على الاستقرار المالي. وفي 13 أبريل، أطلق مصرف البحرين المركزي حزمة مؤقتة من إجراءات تخفيف أعباء القروض ودعم السيولة، شملت تأجيل سداد الأقساط، وتخفيفاً مؤقتاً لمتطلبات كفاية رأس المال، وتوفير سيولة إضافية للبنوك. ومن المرجَّح تمديد هذه الإجراءات أو توسيع نطاقها لاحقاً. وإذا استمرت الأسر والشركات في مواجهة صعوبات في الوفاء بالتزاماتها المالية، فقد تشهد البنوك ارتفاعاً في القروض المتعثرة.

وقد بدأ القطاع المصرفي يُظهر مؤشرات مبكرة على الضغوط خلال شهر مارس في ذروة الصراع، خصوصاً من خلال انخفاض ودائع القطاع الخاص بالعملات الأجنبية بمقدار 189 مليون دولار (-2% على أساس شهري)، إضافة لتراجع ودائع غير المقيمين بالعملات الأجنبية بقيمة 1.3 مليار دولار (-9% على أساس شهري). إلَّا أن هذا التراجع خفَّ جزئياً خلال أبريل، إذ عادت ودائع القطاع الخاص بالعملات الأجنبية للارتفاع بمقدار 740 مليون دولار (+9% على أساس شهري). وخلال شهري مارس وأبريل، تدخلت الحكومة لتعويض التدفقات الخارجة عبر إيداع نحو 1.2 مليار دولار في البنوك التجارية، الأمر الذي ساعد على استقرار قاعدة الودائع المصرفية ككل. ونتيجة لذلك، بقي إجمالي الودائع مستقراً لحدٍّ كبير رغم تصاعد الضغوط المالية.

ارتفاع تكاليف خدمة الدين يزيد من الهشاشة المالية

من المتوقَّع أن يواصل عبء الدين الحكومي المرتفع أصلاً الارتفاع خلال السنوات المقبلة، في ظل اتساع العجوزات المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض، ممَّا يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة. وتستحوذ مدفوعات الفوائد وحدها حالياً على نحو 24% من إجمالي الإنفاق الحكومي، ومن المتوقَّع أن ترتفع من 5.6% من الناتج في عام 2025 إلى 6.6% في عام 2026 (الرسم البياني 6). ومن المرجَّح أن تستحوذ تكاليف خدمة الدين على حصة متزايدة من الموارد المالية الحكومية، ممَّا يحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيه الإنفاق نحو المبادرات الداعمة للنمو الاقتصادي.

وبناءً على ذلك، يُتوقَّع أن يرتفع الدين الحكومي من 128% من الناتج في عام 2025 لنحو 135% في عام 2026. ومن الجوانب الإيجابية أن تركيبة الدين العام البحريني توفِّر بعض عوامل الحماية المهمة ضد الضغوط المالية الفورية. فحوالي 79% من الدين الحكومي طويل الأجل، الأمر الذي يقلل من مخاطر إعادة التمويل ويحد من الضغوط التمويلية قصيرة الأجل (الرسم البياني 5). كما أن نحو 75% من إجمالي الدين مقوَّم بالدولار الأمريكي، وهي العملة نفسها المرتبط بها الدينار البحريني. وهذا يقلل من مخاطر سعر الصرف ويحمي المالية العامة من التقلبات السلبية في العملات. وعليه، فإن التحدي الرئيسي الذي تواجهه البحرين لا يتمثل في هيكل الدين نفسه، بل في حجمه الإجمالي وقدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار التدريجي لمسار الدين على المدى الطويل.

كما بدأت مؤشرات الأسواق المالية تعكس تزايد الاهتمام بشأن الآفاق الاقتصادية والمالية للبحرين. وأحد أبرز المؤشرات على ذلك كان ارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي، إذ ارتفع العائد حتى الاستحقاق (YTM) لسندات اليوروبوند البحرينية لأجل ثلاث سنوات، الصادرة في يناير 2026 قبل اندلاع الحرب، إلى 8.1% مقارنةً بنحو 5.6% عند الإصدار. وفي الوقت نفسه، اتسع هامش مقايضات مخاطر الائتمان (CDS) لأجل خمس سنوات إلى نحو 300 نقطة أساس، أي أعلى من متوسطه خلال السنوات الثلاث الماضية البالغ 200 نقطة أساس، فيما تراجع هذا الهامش من الذروة التي بلغها في مارس عند 337 نقاط أساس خلال ذروة الهجمات الإيرانية على البحرين.

وفي أبريل، قامت وكالة موديز بتعديل النظرة المستقبلية للبحرين من مستقرة إلى سلبية، مشيرةً إلى أن الصراع الإقليمي قد يفاقم ضعف المؤشرات المالية للمملكة. وتحافظ البحرين حالياً على تصنيف ائتماني سيادي عند درجة "B2" من وكالة موديز، وعند درجة "B" من كلٍ من ستاندرد آند بورز العالمية وفيتش، فيما أبقت الوكالتان الأخيرتان على نظرتهما المستقبلية المستقرة حتى الآن.

الاستقرار المالي طويل الأجل يمكن دعمه عبر الإصلاحات والدعم الخليجي

وبالنظر إلى ما بعد التأثيرات المباشرة للصراع، يُتوقَّع أن تواجه البحرين ضغوطاً متزايدة لتعزيز وضعها المالي مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي. وهو ما يشير إلى أن جهود ضبط المالية العامة ستبقى على الأرجح تدريجية، مع سعي صانعي السياسات إلى تحقيق التوازن بين استدامة الدين والاعتبارات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يُتوقَّع أن تواصل السلطات التزامها برؤية البحرين الاقتصادية 2030 وخطة التعافي الاقتصادي، من خلال تسريع جهود تنويع الاقتصاد، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتقليص الاعتماد على الإيرادات الهيدروكربونية. ورغم أن ارتفاع عبء الدين الحكومي ومحدودية الاحتياطيات الخارجية يجعلان المملكة أكثر تأثراً باستمرار الاضطرابات الإقليمية، فإن مواصلة الدعم المالي من شركائها في مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما المملكة العربية السعودية، ستشكِّل ركيزةً مهمةً للاستقرار. وفي نهاية المطاف، فإن مرونة الاقتصاد البحريني على المدى الطويل لن تعتمد على الدعم الخارجي فحسب، بل أيضاً على نجاح الإصلاحات المالية، وقدرته على تسريع النمو غير النفطي، وتعزيز ثقة المستثمرين، ووضع الدين العام على مسار أكثر استدامة.

 

 الرسم البياني 5: هيكل اجال الدين العام
 (مليار دولار)
المصدر: LSEG
 
 الرسم البياني 6: حجم مدفوعات الفوائد
(نقطة مئوية)
المصدر: وزارة المالية والاقتصاد الوطني، Haver، تقديرات بنك الكويت الوطني

 

حمّل التقرير >